الجنيد البغدادي

193

رسائل الجنيد

ليس أعمال العباد بالتي ترضيه ولا تسخطه لكنه رضي عن قوم فاستعملهم بأعمال الرضا وسخط على قوم فاستعملهم بأعمال السخط والهارب مما هو كائن إنما يتقلب في يد المطالب فإلى اللّه الشكوى فمنه البلوى ، أعاذنا اللّه وإياك من سخطه ومنّ علينا برضوانه الأكبر في خير وعافية . وقد علمت أعزك اللّه أن الأنبياء ملكوا الرسالة ولم يملكوا الهداية قال اللّه تبارك وتعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] ثم قال : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] فأسأل اللّه الذي أنطقك بنصيحتي وشغلك بمكاتبتي أن لا تعدمني دعائك في موطن يرجى بركته . يا أخي وقرة عيني مقبول منك جميع ما لوحت به وأشرت إليه على الحذق واللّه أسال العون على ذلك مع مكافأتك عنا ولو أن لكل شعرة على جسدي لسانا لكنت مستحقا منى ذلك فتولى اللّه شكرك ومجازتك عنا بما هو أهله ، وذكرت يا عزيزي أنه شرعت لك إلى حاجة أملتني لها وهي أن أجتنب مجالسة غير أبناء جنسي وذكرت حاطك اللّه كلاما هذا معناه ، لقد رفقت وتلطفت وأستعين باللّه على ذلك وأعوذ باللّه أن أجعل الاعتذار حجة وأن أدفع حقا بحق وأنت تعلم أن وضع الحد للحق عز فاسأل صدق قبول الحق . وبعد فأماتني اللّه يوما أتوهم أنى أثبت أهل عصري من العوام والخواص بذرة سوى عبارة اللسان ولا أدري هل لي أم على فأما سبيل الاستحقاق في التحكم فأعاذنا اللّه وإياك من دونه ذلك وإني لأرضى أن يبقي علي في أعلى درجات الربانيين جملة توحيده وفي أعلى درجات الرهبانيين بتجنب الكبائر وربما تمثلت بهذا البيت : يا موقد النار في قلبي بقدرته * لو شئت أطفأت عن قلبي بك النار لا عراني مت من خوفي ومن حزني * لي فعالك بي لا عار ولا عارا وربما تمثلت بهذا البيت : كيف أرجو نومة تدركني * وأرى قلبي بويلي يشتعل وبلغني أن حكيما كتب إلى حكيم : إذا قل اللّه طعم نفسك فإنك إن ذقت طعمها لم تجد طعم غيرها ، وأرجو أن يكون كذلك ، وسمعت ذا النون يقول : من